فصل: تفسير الآيات (184- 186):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (181- 183):

{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)}
وقوله سبحانه: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ * والذين كَذَّبُواْ بآياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}، الآية تتضمَّن الإِخبار عن قَوْمٍ أهْلِ إِيمانٍ واستقامةٍ وهدايةٍ، وظاهُرها، يقتضي كُلَّ مُؤْمِنٍ كان مِنْ لَدُنْ آدم عليه السلام إِلى قيام الساعة، ورُوِيَ عن كثيرٍ من المفسِّرين: أنها في أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، ورُوِيَ في ذلك حديثٌ أنَّ: النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ». وقوله سبحانه: {والذين كَذَّبُواْ بآياتنا} الآية وعيد، والإِشارة إِلى الكُفَّار، و{سَنَسْتَدْرِجُهُم} معناه: سنُسوقهم شيئاً بعد شَيْءٍ ودرجةً بعد درجةٍ؛ بالنِّعم عليهم والإِمهال لهم؛ حتى يغترُّوا ويظنُّوا أنهم لا ينالُهم عقابٌ، وقوله: {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}، أيْ: من حيث لا يَعْلَمُون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبةٌ لهم مِنَ اللَّه سبحانه عَلَى التَّكْذِيبِ لِمَا حَتمَ عليهم بالعذاب، أملَى لهم ليزدادوا إثماً.
وقوله: {وَأُمْلِي}: معناه: أُؤخِّرُ ملاَوَةً من الدهر، أي: مُدَّةً و{مَتِينٌ}: معناه: قويٌّ.

.تفسير الآيات (184- 186):

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)}
وقوله سبحانه: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ...} الآية: تقريرٌ يقارنه توبيخٌ للكُفَّار، والوَقْف على قوله: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ}، ثم ابتدأ القولَ بنَفْي ما ذكروه، فقال: {مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ} أي: بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أنْ يكون المعنى: أو لم يتفكَّروا أنه ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ، ويظهر مِنْ رصف الآية أنها باعثةٌ لهم على الفِكْرة في أَمره صلى الله عليه وسلم وأنه ليس به جنَّةٌ كما أحالهم بعد هذه الآية على النَّظَرْ.
وقال الفَخْر: قوله تعالَى: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ} أمر بالفِكْرِ والتأمُّل والتدُّبر، وفي اللفظ محذوفٌ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلَمُوا مَا بِصَاحِبهمْ منْ جِنَّة، والجِنَّة: حالَةٌ مِنَ الجُنُون، كَالجِلْسَةِ، ودخولُ مِنْ في قوله: {مِّن جِنَّةٍ} ينفي أنواع الجنون. انتهى.
وقوله سبحانه: {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السموات والأرض...} الاية: النَّظَرُ هنا بالقَلْب عِبْرَة وفكراً، و{مَلَكُوتِ}: بناءُ عظمةٍ ومبالغةٍ.
وقوله: {وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ}: لفظٌ يعمُّ جميع ما ينظر فيه، ويستدلُّ به من الصنعة الدالَّة على الصانع، ومِنْ نَفْس الإِنسان وحواسَّه ومواضِعِ رزْقه، والشَّيْءُ: واقعٌ على الموجودات، {وَأَنْ عَسَى}: عطْفٌ على قوله: {فِي مَلَكُوتِ}، والمعنى: توقيفُهُمْ علَى أنْ لم يَقَعْ لهم نَظَرٌ في شيء من هذا، ولا في أنهم قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فماتُوا فَفَاتَ أوانُ التدَارُكِ، ووجَبَ عليهم المحذورُ، ثم وقفهم بِأَيِّ حديثٍ أو أمْرٍ يقعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم؛ إِذا لم يقع بأمْرٍ فيه نجاتُهم، ودخولُهم الجَنَّةَ؛ ونحو هذا المعنى قولُ الشاعر: [الطويل]
................... ** وَعنْ أَيّ نَفْسٍ دُونَ نَفْسِي أُقَاتِلُ

والضمير في {بَعْدَهُ} يراد به القُرْآن.
وقيل: المراد به النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعَ، وقيل: هو عائد على الأجَلِ، أي: بعد الأجل، إِذ لا عَمَلَ بعد الموت.
وقوله سبحانه: {مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ...} الآية: هذا شرطٌ وجوابٌ، مضمَّنه اليأْسُ منهم، والمَقْتُ لهم؛ لأن المراد أَنَّ هذا قد نزل بهم، والطغيان: الإفراطُ في الشيء، وكأنه مستعملٌ في غير الصَّلاح، والعَمَهُ: الحَيْرَةُ.

.تفسير الآيات (187- 188):

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)}
وقوله سبحانك: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة}، قال قتادة: السائِلُونَ: هم قريش.
وقال ابن عباس: هم أحبار اليهود.
* ت *: وفي السِّيرَة لابنِ هشامٍ: أَن السائلين من أحبار اليهود: حَمَلُ بْنُ أبي قُشَيْرٍ، وَسَمَوْءلُ بْنُ زَيْدٍ. انتهى.
والساعة: القيامة مُوِّتَ كُلّ من كان حَيًّا حينئذٍ، وبُعِث الجميع، و{أَيَّانَ}: معناه مَتَى، وهي مبنيَّةٌ على الفتْحِ، قال الشاعر: [الرجز]
أَيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أَيَّانَا ** أَمَا ترى لِفعْلِهَا أَبَانَا

و{مرساها} معناه: مُثْبَتُها ومُنْتَهَاها؛ مأخوذٌ من: أرسى يُرْسِي، ف {مُرْسَاهَا}: رَفْعٌ بالابتداء، والخبرُ أَيَّانَ، وعبارة البخاريِّ: {أَيَّانَ مرساها}: مَتَى خروجُها. انتهى، و{يُجَلِّيهَا}: معناه يُظْهرها.
وقوله سبحانه: {ثَقُلَتْ فِي السموات والأرض...}، قيل: معناه: ثَقُلَ أنْ تُعْلَم ويُوقَفَ عَلى حقيقةٍ وَقْتها، وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: معناه: ثَقُلَتْ هيئتها والفزعُ عَلَى أَهْل السموات والأرض، {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}، أي: فجأةً.
وقوله سبحانه: {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}، قالَ ابن عبَّاس وغيره: المعنى يسألونك كأنكَ حَفِيٌّ، أي: مُتْحَفٌ ومُهْتَبِلٌ بهم، وهذا ينحُو إلى ما قالَتْ قريشٌ: يا محمَّدُ، إِنا قرابَتُكَ، فأخبرْنا بوَقْت السَّاعة.
وقال ابن زَيْد وغيره: معناه: كأنك حفيٌّ في المسألة عَنْها، والاشتغالِ بها، حتى حصَّلَتْ علمها.
وقرأ ابن عبَّاس فيما ذكر أبو حاتم: {كأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا}.
وقوله سبحانه: {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} قال الطَّبريُّ: معناه: لا يعلمُونَ أنَّ هذا الأَمْرَ لا يعلمه إِلا اللَّهُ، بل يظنُّ أكثرهم أنه ممَّا يعلمه البَشَرُ.
وقوله سبحانه: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ الله...} الآية: هذا أمر بأنْ يبالِغَ في الاستسلام، ويتجَّردَ من المشاركةِ في قُدْرة اللَّه، وغَيْبِه، وأنَّ يصفَ نفسه لهؤلاءِ السائلين؛ بأنه لا يملكُ من منافع نفسه ومضارِّها إِلا مَا سَنَّى اللَّه وشاءَ ويَسَّر، وهذا الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء.
وقوله: {وَمَا مَسَّنِيَ السوء} يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل.
أحدهما: أن ما معطوفةٌ على قوله: {لاَسْتَكْثَرْتُ} أي: وَلَمَا مسني السوءُ.
والثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله: {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير} وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به.
قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ: {السوء} الجنون؛ بلغة هُذَيْلٍ.
* ت *: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب السوء الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: {مَا بصاحبكم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ...} [سبأ: 46]، و{لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: يحتملُ معنيين:
أحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع.
والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدئ يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعْدٌ لمن حصل إِيمانه.

.تفسير الآيات (189- 193):

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)}
وقوله: جلَّت عظمته: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة...} الآية.
قال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم عليه السلام، وبقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} حَوَّاء، وقولُه: {مِنْهَا} هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حَوَّاءُ.
وقوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة.
ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا}، أي: غَشِيَها، وهي كناية عن الجِمَاع، والحَمْلُ الحفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا. وقوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} أي: استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: {فاستمرت بِهِ}، وقرأ ابن مسعود: {فاستمرت بِحَمْلِهَا} وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: {فَمَارَتْ بِهِ}، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت؛ كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، و{أَثْقَلَت}: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله {دَّعَوَا}، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك؛ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ عَبْدَ الحَارث، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه؛ حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ.
وقال الطبريُّ والسديُّ في قوله: {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب.
* ت *: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ؛ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ. انتهى.
وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ: وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء- وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغَرُورُ- فلا يُلْدَغُ المؤْمِنُ مِنْ حُجْرٍ مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين. انتهى من الأحكام.
قال * ع *: وقوله {صالحا}: قال الحَسَن: معناه: غُلاَماً، وقال ابن عباس؛ وهو الأظهر: بَشَراً سَوِّياً سليماً.
وقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس: {هُوَ الذي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يريد: آدم وحواء، أي: استمرت حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا...} إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين.
قال ابنُ العَرَبِيِّ في أحكامه وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟! انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ؛ وباللَّه التوفيق.
وقرأ نافعٌ، وعاصم؛ في رواية أبي بَكْر: شركاً- بكسر الشين، وسكون الراء-؛ على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم: {شُرَكَاء} على الجمع، وهي بينة؛ على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن كَعْب: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ}.
وقوله: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً...} الآية: الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا: إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: {مَا لاَ يَخْلُقُ}، وعبَّر عن الأصنام ب {هُمْ}؛ كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها؛ وبحسب أسمائها، {ويُخْلَقُونَ}: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ؛ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن: {عَمَّا تُشْرِكُونَ} بالتاء مِنْ فوقُ أَتُشْركُونَ.
وقوله سبحانه: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون}، من قال: إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته في أمْر الكُفَّار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ قال بالقولِ الآخَر، قال: إِن هذه مخاطبةٌ للمؤمنين والكُفَّار؛ على قراءة مَنْ قرأ: {أَيُشْرِكُونَ}- بالياء من تَحت-، وللكفَّار فقطْ على قراءة مَنْ قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيفِ، أيْ: هذا حالُ الأصنام معكم؛ إنْ دعوتموهم، لم يجيبُوكُمْ.

.تفسير الآيات (194- 198):

{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)}
وقوله سبحانه: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين...} الآية مخاطبةٌ للكفَّار في تحقير شأْن أصنامهم، وقوله: {فادعوهم} أي: فاختبروا، فإن لم يستجيبوا، فهم كما وصفنا.
وقوله سبحانه: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ...} الآية. الغرض من هذه الآية {أَلَهُمْ} حواس الحَيِّ وأوصافه، فإِذا قالوا: لا، حكموا بأنها جماداتٌ من غير شكٍّ، لا خَيْرَ عندها.
قال الزّهْراوِيُّ: المعنى: أنتم أفضلُ منهم بهذه الجوارح النافعة؛ فكيف تعبدونهم،، ثُمَّ أمر سبحانه نبيَّه عليه السلام أنْ يعجزهم بقوله: {قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ}، أي: استنجدوهم واستنفروهم إِلى إِضْرَارِي وكَيْدي، ولا تؤخِّروني، المَعْنَى: فإِن كانوا آلهةً، فسيظهر فعلكم، وَلَمَّا أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضَرَره، وأراهم أنَّ اللَّه سبحانه هو القَادِرُ عَلَى كُلِّ شيء لاَ تلك، عقَّب ذلك بالإِستناد إِلى اللَّه سبحانه، والتوكُّلِ عليه، والإِعلام بأنه وليُّه وناصره، فقال: {إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين}.
وقوله: {والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}؛ إِنما تكرَّر القولُ في هذا، وترَّددت الآياتُ فيه؛ لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكِّناً من نفوس العرب في ذلك الزَمانِ، ومستولياً علَى عقولها، فأوعب القولَ في ذلك؛ لُطْفاً منه سبحانه بهم.
وقوله: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ...} الآية: قالت فرقةٌ: هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته في أمر الكُفَّار، والهاءُ والميمُ في قوله: تدعوهم للكفَّار، ووصفهم بأنهم لا يَسْمَعُونَ، ولا يبصرون؛ إِذ لم يتحصَّل لهم عن النَّظَر والاستماع فائدةٌ؛ قاله مجاهدٌ والسدِّي.
وقال الطبريُّ: المرادُ بالضمير المذكور: الأصنامُ، ووصْفُهم بالنظر كنايةً عن المحاذاة والمقابلة؛ ولِمَا فيها من تخييلِ النَّظَر؛ كما تقول: دَارُ فُلاَنٍ تَنْظُر إِلى دار فلان.